رسالة : معاملة غير المؤمنين
فصل : كل سنة وانا طيب
كتب : محمد الأنور آل كيال
بمناسبة عيد شم النسيم كل سنة وأنا طيب
لا يقبل أي سلفي أن أهنئه بعيد شم النسيم أو رأس السنة , ويكره أن أقول له في هذه المناسبات : كل سنة وانت طيب , ويقول أن هذا بدعة , لذا أقول له : لا تحزن , كل سنة وانا طيب , أو كل سنة واحنا كلنا طيبين وانت مش طيب .
أولاً : من المبتدع ؟
عندما كنت أزهرياً وسلفياً كنت أردد كلامهم وأقول : شم النسيم بدعة , والأعياد من شعائر الله , ولا يوجد عندنا إلا عيد الفطر وعيد الأضحى , ومن زاد على العيدين فهو مبتدع .
ولكن الآن بفضل الله بعدما هداني الله للإسلام أقول :
هل يوجد دليل صحيح على عيد الفطر والأضحى ؟ هل يوجد دليل صحيح يفيد بأن يوم فطر أغلب الفرق ( أول يوم من شوال ) عيد وأن اليوم العاشر من ذي الحجة عيد ؟ وهل يوجد دليل صحيح على صلاة العيد ؟
وما معنى العيد ؟
لم يذكر العيد في القرآن إلا مرة واحدة , وهي قول الله : " قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ " [المائدة : 114] .
وبرغم بطلان حجية الآثار أتحدى أي أثري أن يأتي بأثر صحيح السند يدل على عيد الفطر أو الأضحى أو صلاة العيد , ولقد حققتهم بالتفصيل في رسالتي بيان الصلاة التي أمر الله بها عباده .
والعِيدُ هو ما يعود من همٍّ أو مرض ، أَو شُوق أو نحوه , وقيل هو كلُّ يوم يُحتفَلُ فيه بذكرى حادثةٍ هامة , وقيل هو يوْمٌ لِلاحْتِفَالِ وَالتَّذْكَارِ بِحَادِثٍ , وقيل هو يوم سرور يُحتفل فيه بذكرى حادثةٍ , وقيل هو كلُّ يوم يُحتفَلُ فيه بذكرى كريمة أو حبيبة .
والسؤال : إذا تذكر الإنسان ذكرى سارة لديه واحتفل بها , هل يعد ذلك بدعة ؟
هل فعل ذلك على سبيل التعبد أم العادة ؟ هل قال أن ذلك الاحتفال من الدين ؟
لم يقل ذلك, بل أنتم الذين تقولون أن العيدين من الدين , وذلك برغم بطلان آثارهما , فأنتم المحرفون والمبتدعة .
ثانياً : مسألة تهنئة غير المسلمين :
بمناسبة الثرثرة في مسألة تهنئة غير المسلمين بأعيادهم وتضييع أوقات المسلمين في هذا الأمر , أود أن أطرح عدة أسئلة :
هل يجوز لمسلم أن يقول لأمه المسيحية في عيدها : كل سنة وأنتِ طيبة أم لا ؟
هل إذا قال لها ذلك يكون قد أقر دينها ورضي به أم أنه يفعل ذلك من باب البر والقسط والمصاحبة بالمعروف ؟
هل ذلك من باب تأليف القلوب وتحبيبهم في الإسلام أم لا ؟
أليس هذا الدعاء هو دعاء لها بالإسلام والهدى , إذ الإسلام هو الذي سيجعلها طيبة ؟
ما الحكم لو قلت للمسيحي في عيده : كل سنة وأنت طيب ؟
أليست الدعوة له بالطيب دعوة له بالهدى والخير ؟
أليس ذلك من الرحمة ؟
ألم يكن النبي رحمة للعالمين ؟
أليست تهنئته من قبيل دعوته والبر والقسط إليه ؟
هل ذلك الدعاء من العبادات أم من المعاملات ؟
إذا قلتم أنه من الأشياء أو المعاملات , إذاً وجب عليكم الإتيان بدليل الحرمة لأن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يأت دليل بالتحريم .
وإذا قلتم أنه من العبادات ( من البر أو القسط أو المصاحبة بالمعروف والدعوة ) , إذاً لا يجوز لكم محاربته .
وقد يقال: هو بدعة لأنه من العبادات والعبادات توقيفية , أقول : هل هو وسيلة أم مقصد ؟
بل هو وسيلة للبر وإدخال السرور وتأليف القلوب والدعوة , والوسيلة لها حكم المقصد , فضلاً عن أن تلك الوسيلة لا يوجد دليل على حرمتها .
أما من يريد تحريم الوسائل فعليه أن يحرم وسائل المواصلات والاتصالات والآلات الحربية والأجهزة الطبية .
أيها السلفيون : هل تهنئة غير المسلم بعيده الذي يتعارض مع القرآن تعد إقراراً وإيماناً بهذا العيد كما يزعم السلفيون أم أنها من باب البر ؟
إذا قلتم أنها إقرار وإيمان فأنتم تتهمونا بالكفر , وهذا دأبكم وديدنكم .
وهل يوجد مسلم يهنئ المسيحي ويقول له أحياك الله مسيحياً وأماتك على المسيحية أم أنه يتمنى له الإسلام ؟
وهل يوجد مسلم يقول لمسيحي عشت ذخراً للمسيحية والصليب أم يدعو له بالخير ؟
وهل يوجد مسلم يدعو للمسيحيين بالنصر على المسلمين ؟
وهل يوجد مسلم يفرح بالشركيات والبدع وهو يهنئ المسيحيين ؟
وهل يوجد مسلم يقر ويؤمن بالأخطاء التي في المسيحية والتي تعارض القرآن ؟
وإذا قلتم أنها من باب البر , فلماذا تخالفون القرآن وتنكرون علينا التمسك به ؟
قال تعالى : " لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) " ( الممتحنة ) .
هل تهنئة غير المسلمين من قبيل الذل والهوان كما يزعم السلفيون ؟
لا بل من البر والقسط والدعوة وحسن المعاملة والجوار , فالسلفيون قد حرموا تهنئة غير المسلمين وحرموا إلقاء السلام عليهم واضطروهم إلى أضيق الطريق , فهل أعزهم الله تعالى أو نصرهم ؟
لا , بل هم من أذل الفرق الضالة وأحمقها .
أيها السلفيون اتقوا الله ولا تؤصلوا أصولاً فاسدة فتخرج الفروع باطلة .
هل غير المسلمين يهنئون المسلمين في أعيادهم ؟
نعم
هل قام حبر أو حاخام أو كاهن أو قسيس أو راهب وأنكر عليهم ومنعهم من ذلك واتهمهم بالابتداع أو الكفر أو الرضا بدين المسلمين أو حبه أو الإقرار به ؟
بل هم أنفسهم يهنئون المسلمين ويحثون أتباعهم على تهنئة من يخالفهم في الإيمان من باب البر .
هل تهنئة غير المسلمين بأعيادهم تعارض الولاء والبراء كما يزعم السلفيون ؟
لا , وما دخل الولاء والبراء في هذا الأمر ؟
هل تجوز مودة ومحبة المسلم لأبيه المسيحي , أم يجب البر مع الكره كما يزعم بعض السلفيين , أم يجب قتالهم جميعاً كما يزعم البعض الآخر ؟
أعلم أن السلفيين يقولون لا تجوز المودة , ويقولون يجب أن يكون كرهنا لغير المسلمين أشد من كرهنا لأفجر وأظلم مسلم , ويستدلون بالولاء والبراء , وهذا باطل .
إن النفس مجبولة على حب من أحسن إليها , وهل كره النبي عمه أبا طالب في كتبكم ؟ إن كتب السيرة عندكم حجة عليكم .
ولكن ما المنتظر من سلفي مقلد محرف للدين قد استدل بالموضوع فحرم إلقاء السلام على غير المسلمين واضطرهم إلى أضيق الطريق ؟
ما المنتظر من سلفي مقلد محرف يدعو المسلمين بغلظة , هل سيدعو غير المسلمين بالحكمة والموعظة الحسنة كما أمر الله تعالى ؟
ما المنتظر من سلفي مقلد محرف يسب المسلم المخالف بأبشع الألفاظ ويفتري عليه , هل سيجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن كما أمر الله تعالى ؟
إن هذا الفكر السلفي هو نتاج للموضوعات التي صححها السلفيون كالألباني وغيره وقدموها على كتاب الله , فإن من يحرم إلقاء السلام على غير المسلم ويضطره إلى أضيق الطريق استدلالاً بأثر موضوع , هل ينتظر منه أن يبر غير المسلم أو يهنئه في عيده ؟
هذا ليس معقولاً .
هل يحرم إلقاؤك السلام على أمك غير المسلمة ؟
هل إذا قابلت زوجتك غير المسلمة في الطريق ستضطرها إلى أضيقه ؟
هذا كفر بالقرآن وإيمان بوحي شياطين الإنس والجن , قال تعالى : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) " ( الأنعام ) .
وبرغم بطلان حجية الآثار أتحدى أي أثري أن يأتي لي بسند صحيح لأي أثر ينهى عن إلقاء السلام على غير المسلم ويأمر باضطراره إلى أضيق الطريق .
كيف يصدق اليهودي أو المسيحي أن الإسلام هو الأفضل وأنت لا تسلم عليه بل وتضطره إلى أضيق الطريق ؟
كيف يصدق أبوك أو أمك أو زوجتك غير المسلمين أن الإسلام هو الحق وأنت لا تدعو لهم في يوم عيدهم ؟
كل فترة يزداد يقيني بحمق السلفية وغبائها , وصدها عن سبيل الله .
الحمد لله الذي عافانا .
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ
أيها السلفيون اتقوا الله ولا تحرموا إلا بدليل , اتقوا الله ولا تؤصلوا تلك الأصول الفاسدة , اتقوا الله واعقلوا وتدبروا وتفكروا , اتقوا الله ولا تكرهوا الناس في الإسلام بحمقكم , اتقوا الله ولا تصدوا عن سبيل الله .
هل عندكم إجابات لكل الأسئلة السابقة , مع الدليل ؟
ثالثاً : تبسيط المسألة :
طيب نبسط المسألة , فكما أقول : وبالأمثال تنجلي الأشياء .
واحد كان أهلاوي زي حالاتي , هنأ زميله الزملكاوي بفوز الزمالك على الأهلي , فهل هذا يعني أنني أحب فوز الزمالك على الأهلي ؟ أم أن هذا من باب البر ؟
سنفترض أن الحكم كان خاطئاً أو ظالماً وفاز بفضله الزمالك على الأهلي , فهل إذا هنأت زميلي الزملكاوي يعني ذلك أنني مقر ومعترف بالنتيجة ؟ أم أن هذا من باب البر ؟
هل إذا هنأت أجنبي بعيد بلاده أصبح أجنبياً مثله ؟ يا ليت .
هل إذا هنأت المنتصر بنصره اصبح منتصراً مثله ؟
وقد رد علي أحد السلفيين وقال : (حضرتك قياسك فاسد ، لا يعتد به في تلك المسألة . أهلي و زمالك ايه حضرتك ؟!! ) . انتهى .
فقلت له : ( يا راجل فاسد مرة واحدة يعني حتى مش قياس مع الفارق ؟ طيب , هل أنا أحب الصلب أو أؤمن به إذا هنأت المسيحي بعيده ؟ القياس يكون فاسداً إذا عارض النص , فأين النص الذي يحرم تهنئة غير المسلم بعيده ؟ ) . انتهى .
رابعاً : التشدد في غير موضعه آفة شيوخ السلطان :
ما وجدت متشدداً في وقت الرفق واللين إلا ووجدته متساهلاً في وقت الشدة والغلظة .
لماذا نرى الشيوخ الذين يحرمون تهنئة غير المسلمين كالنعاج مع ولاة الأمور الظلمة ولا ينكرون عليهم بل ويحرمون على العوام الإنكار عليهم ونصر المظلوم والأخذ على يد الظالم ؟
هل شيوخ السلطان ينكرون على أسيادهم أعيادهم ؟
لم نرهم ينكرون عليهم أعيادهم التي صنعوها واحتفلوا بها كعيد النصر أو عيد تحرير سيناء أو عيد الاستقلال أو العيد القومي للبلاد أو عيد المحافظة .
الخلاصة :
1 ـ إن الدين يؤخذ من القرآن , وإذا اختلفنا في شيء وجب رده إلى الله تعالى , وليس إلى ابن جني أو ابن خروف أو ابن حجر أوابن بطة , قال الله : " وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ " [الشورى : 10] .
2 ـ ليست أقوال ابن تيمية أو ابن القيم بدليل , بل هي أقوال تحتاج إلى دليل .
3 ـ من أراد التحريم فليحرم كما يشاء ولكن وجب عليه ذكر الدليل الصحيح الصريح .
4 ـ لقد أوتي الإسلام من قبل أهله , وإن خطر المسلم الجاهل على الإسلام أشد من خطر الكافر العاقل .
5 ـ إن الشيوخ الذين حرفوا دين الله تعالى واستدلوا بالموضوعات هم آخر من يتكلم عن الدين , فهم أضل من أي أحد من العوام , لأنهم هم المبتدعة حقاً , فقد أضافوا إلى الدين ما ليس فيه .
6 ـ تهنئة المسلم لغير المسلم بعيده هي من باب البر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله رب العالمين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق